الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
475
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
عليكم وكنتم على أعقابكم تنكصون بدلا من الاستفادة منها والانتباه للواقع . كلمة " تنكصون " مشتقة من النكوص ، بمعنى السير بشكل معاكس . و " أعقاب " جمع " عقب " على وزن " فعل " وتعني عقب القدم . وهذه الجملة كناية عن شخص يسمع كلاما غير مرغوب فيه ، فيرتعب لدرجة يسير فيها القهقرى على عقبي قدميه . ثم إنه لا يرجع إلى الوراء لمجرد سماعه آيات الله ، وإنما يصبح ممن وصفتهم الآية مستكبرين به ( 1 ) . وإضافة إلى ذلك سامرا تهجرون أي يتسامرون في لياليهم ويتحدثون عن النبي والقرآن بالباطل . وكلمة " سامرا " مشتقة من " سمر " على وزن " نصر " بمعنى التحدث ليلا . وقال البعض : إنها تعني ظل القمر في الليل حيث يختلط السواد مع البياض فيه ، وبما أن المشركين من العرب كانوا يتسامرون حول الكعبة في الليالي المقمرة ، وجل حديثهم يتناول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالباطل ، فوردت هذه الكلمة لهذا الغرض . ويقال " سمراء " لمن اختلط بياضها بشئ من السواد . وتهجرون مشتقة من " هجر " وتعني بالأصل الابتعاد والانفصال ، وقد وردت بمعنى الهذيان الصادر من المريض . لأن كلامه في تلك الحالة غير سليم . ويبعث على النفور . كما أن الهجر ( على وزن كفر ) يعني السباب ، وهو أيضا يبعث على الابتعاد والقطيعة . وقد جاءت كلمة " تهجرون " في الآية بالمعنى الأخير . فتقول : إن المشركين
--> 1 - هناك اختلاف بين المفسرين في من يعود إليه الضمير في ( به ) . فذهب بعض أنه يعود إلى المسجد الحرام والحرم المكي ، لأن سدنة الكعبة استكبروا لاعتبارهم أنفسهم أصحاب الحرم المكي ، وهذا الاحتمال ضعيف لأن الآيات السابقة لم تتناول الكعبة والحرم . ويبدو أن هذا الضمير يعود إلى القرآن المجيد والنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فيكون معنى الآية : إنكم استكبرتم إزاء القرآن ونبي الإسلام . أو أنها تشير إلى سيرهم المعاكس ، فهم استكبروا ولم يهتموا به .